عبد الملك الجويني
205
نهاية المطلب في دراية المذهب
سماويةٍ ، أو بجناية جانٍ غير الغاصب ، فهل يعتبر في حق الغاصب البدلُ المقدر في حق الجاني ؟ فعلى وجهين ، سبق ذكرهما ، وسيعود تحقيقهما في فصلٍ متصلٍ بهذا الفصل . فإيجاب العشر من قيمة الأمّ إيجاب المقدار الواجب على الحياة ، فهذا من هذا الوجه يشعر بخلافٍ . ولكن يعارضه ، أن تقدير الحياة في الجنين لا ينتظم على مذهب الشافعي أصلاً . فهذا تمام الغرض . وفي بعض التصانيف غلطة فاحشة ، وهي أنه حكى أن بعض الأصحاب قال : يغرَم الغاصب للسيد أكثرَ الأمرين ، من قيمة الولد ، وقيمة الغرة . أما القول في قيمة الولد فقد ذكرناه ، وأما إيجاب الأكثر ، فخطأ لا نشك فيه ، فإن معناه أن قيمة الغرة إن كانت زائدة على بدل الجنين المقدر رقيقاً ، وجب تسليمها بكمالها إلى السيد ، وهذا محال ؛ فإن تلك الزيادة ثبتت بسبب الحرية ، وما ثبت بسبب الحرية يستحيل أن يستحقه مالك الرق . هذا منتهى الكلام في قاعدة الفصل . 4584 - ثم المسألة مفروضة فيه إذا كانت الغرة مصروفةً إلى الغاصب ؛ من جهة أنه أبُ ( 1 ) الجنين ، ولم يكن معه وارث . فلو غصب الجارية وأحبلها ، ومات ، وخلف أباً ، هو جد الجنين ، فضرب ضارب بعد موت الأب الغاصب الجاريةَ ، وأَجْهَضَتْ جنيناً ميتاً ، فالغرة مصروفةٌ إلى الجدّ . قال القاضي : يجب عليه في ضمان الجنين للمالك ما كان يجب على الغاصب لو كان حياً . والسبب فيه أن ضمان الجنين للمالك ، إنما يجب بسبب وجوب الغرة ، فمن يملك الغرة ، يلتزم الضمان . فكأن القدر المطلوب مستحق من الغرة للسيد المغصوبِ منه . ثم قال القاضي : لو كان مع الأب الغاصب جدة وارثة ، وهي أم الأم ، ونفرضها حرة لترث ، فالسدسُ من الغرة لها . قال : ننظر إلى خمسة أسداس الغرة ، وإلى عشر قيمة الأم ، ونجعل كأن السدس المصروف إلى الجدة غيرُ ثابت ، والخمسة الأسداس نازلةً منزلة الغرة كلها . هذا كلامه .
--> ( 1 ) يجوز في ( أب ) هذا الاستعمال - على ندور - ومشهورٌ ذائعٌ على الألسنة : " ومن يشابه أبه ، فما ظلم " .